حي أبا السعود التاريخي في نجران.. ذاكرة التوحيد ومنطقة تراثية نابضة
يُعد حي أبا السعود التاريخي في نجران رمزًا ثقافيًا متجذّرًا في ذاكرة الأهالي، وشاهدًا حيًا على مراحل تطور المنطقة بعد أن أرسى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود -رحمه الله- دعائم الوحدة الوطنية، ليصبح الحي منارة تعكس الهوية الثقافية والعادات والتقاليد المحلية.
ويمثّل الحي التاريخي مزيجًا من التراث الثقافي والتاريخي والاجتماعي؛ إذ يحتضن قصر الإمارة العتيق الذي اكتمل بناؤه عام 1363هـ، ليغدو معلمًا وطنيًا يحمل تاريخًا مرتبطًا بمسيرة التأسيس.
ويتميز القصر بتصميمه المعماري الطيني والفناءات الداخلية والعناصر التقليدية التي تمنح الزائر إحساسًا بصريًا مريحًا، وتجسد الهوية الوطنية والإبداع المعماري المحلي.
ويضم حي أبا السعود المدرسة "الأميرية"، إحدى أبرز المعالم التعليمية القديمة في نجران، والتي تعكس بدايات تطور التعليم النظامي في المنطقة.
وتأسست المدرسة عام 1362هـ، ثم أُطلق عليها لاحقًا اسم المدرسة "السعودية"، وتتمثل خصوصيتها في مبناها الطيني الذي يضم أربعة فصول دراسية وفناءً داخليًا تبلغ مساحته قرابة 75 مترًا مربعًا، ما يجعلها شاهدًا على مسيرة التعليم وتحوّلاته عبر العقود.
كما تحتفظ الأسواق الشعبية في الحي بقيمتها التاريخية والثقافية؛ حيث تنتشر الدكاكين القديمة التي تعكس ملامح الحياة التجارية التقليدية في نجران.
وتشمل هذه الأسواق سوق الجنابي، ومحال الصناعات الجلدية التراثية، ومراكز بيع الفخاريات، إضافة إلى محال خياطة وبيع الملابس النجرانية التراثية للرجال والنساء، والتي تتيح للزوار التعرف على الأدوات والمنتجات المستخدمة قديمًا، وتحولها إلى موروث ثقافي حاضر في الحياة اليومية.
وأوضح رئيس مجلس إدارة جمعية الآثار والتاريخ بنجران محمد آل هتيلة، أن حي أبا السعود يمثل ذاكرة حية لتاريخ وتراث التأسيس والتوحيد، مبينًا أن دوره لم يقتصر تاريخيًا على كونه منطقة سكنية، بل كان مركزًا إداريًا واقتصاديًا واجتماعيًا انطلقت منه معالم الدولة الحديثة في المنطقة.
وأضاف أن السوق المحيط بقصر الإمارة التاريخي كان بمثابة مجلس اجتماعي يجمع الأهالي للتجارة وتبادل الآراء في شؤون الحياة اليومية، مشيرًا إلى أنه على الرغم من التطورات الحديثة لا تزال البيوت الطينية قائمة، وتبقى الأسواق، وفي مقدمتها سوق الجنابي، وجهة مفضلة للباحثين عن الأصالة.
ولفت آل هتيلة إلى أن الحي يحمل في طياته قصص ولاء ومثابرة؛ إذ يروي كبار السن تجاربهم وذكرياتهم عن تلك المرحلة، مبينًا أن الحي كان مركزًا لتجارة القهوة والزبيب، وشهد في فترات سابقة ازدهارًا في أسواق متعددة تلبي احتياجات المجتمع المحلي، ما يعزز هويته الثقافية، ويقوي صلته بالأجيال الجديدة بوصفه شاهدًا على مسيرة التطور في نجران.
المصدر: صحيفة سبق الالكترونية (22 فبراير 2026م)
©